صراع السلطة والإعلام مصطفى أحمد النعمان
الأربعاء 25 جمادى الأولى 1438ﻫ 22-2-2017م

 

الجزيرة برس- استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال اول مؤتمر صحفي يعقده منفردا تعبيرا فارقا وغريبا وشاذا في المصطلحات التي يستخدمها تحديدا الزعماء الغربيون للتعبير عن غضبهم من الاعلام وصب جام غضبه علـي منتقديه ووصفهم ب (الاعلام خارج السيطرة) وانها (عدوة للشعب) وكانت تلك الاوصاف غير مسبوقة من رئيس دولة هو نفسه (خارج السيطرة) في نظر كثير من السياسيين الامريكيين بمن فيهم أعضاء من حزبه وكذلك وسائل الاعلام الامريكية والاوربية ولا يستطيع التحكم في تصرفاته وتعليقاته التي تدل عن عدم وقار، فهو قادم من وسط بعيد عن قواعد الحكم والسلطة في البلدان الديموقراطية ولا يقيم اعتبارا للفصل بين السلطات، ويكفي تذكر ان قاضيا تمكن من الغاء قرار تنفيذي كان احد محاور حملة الرئيس الانتخابية، فاذ به ينعته بالقاضي المزعوم ويوجه نقدا غير مسبوق للقضاء برمته وصار يحرض الجمهور ضده دون خجل.
خاض ترمب حملته الانتخابية مرتكزا على هجوم متواصل على وسائل الاعلام التي اطلق عليها صفة (الاخبار الكاذبة) وكان هدفه الخفي هو اقناع المواطنين بالابتعاد عنها وعدم تصديق اخبارها ومعلوماتها وقد نجح في تثبيت هذا الامر عند الطبقة التي فقدت ثقتها في المؤسسة التقليدية الحاكمة فمنحته اغلبية أصواتهم في الدوائر الانتخابية خارج الولايات والمدن الكبرى، ولن يتوقف المهتمون عن متابعة المعركة التي تستعر بين الرئيس الأمريكي ترمب وادارته من جانب واغلب وسائل الاعلام التي تسيطر على مخرجات المعلومات التي يستقي ويتعرف من خلالها الامريكيون والعالم على تفاصيل القضايا الكبرى التي تؤثر على حياة اغلب البشر، ومن سوء حظه ان كل هذه الصحف والمحطات الرئيسية مستقلة ماليا عن الحكومة فتمكنت من الدخول معه في ما يشبه (كسر العظم)، وقد حاول التحايل على الامر بأضافة عدد كبير من محرري الصحف المحلية خصوصا من المناطق التي يحظى فيها بشعبية اكبر الى قائمة الصحفيين الذين يحضرون عادة اللقاءات التي يجريها الناطق بـإسم البيت الأبيض، بل انه في مؤتمر الصحفي الأول منحهم فرصة توجيه اغلب الأسئلة.
حتما فإن متابعة هذا الصراع بين السلطة والاعلام ستكون مثيرة لأن تبعاته ستتجاوز الولايات المتحدة ورغم صعوبة انتصاره في هذه المعركة التي اختلقها فإنه يبدو مصرا على مواصلتها، وليس من المتوقع ان يستطيع كبح جماح اعلام شديد السطوة نجح في اسقاط رئيس مثل ريتشارد نيكسون بتهمة الكذب والتأمر علـي خصومه والتجسس عليهم وجرجر رئيسا اخرا (بيل كلينتون) الى المحكمة بتهمة الحنث باليمين، ولاحق السياسيين دون هوادة بغض النظر عن قوتهم ومكانتهم، كما سيكون من المهم حساب نتائج تفكير ترمب عندما قرر التوجه الى الناخبين مباشرة على شكل زيارات ومهرجانات بدأ القيام بها للحديث مباشرة اليهم لأدراكه ان وسائل الاعلام ستنقل حتما ما سيقول ولكنه سيتفادى اسئلتها خصوصا بعد مواجهته الاولى معهم والتي عكست صورته المتعجرفة والتي لا تقبل النقد.

ان الصراع الابدي بين السلطة والاعلام في الغرب يختلف عن حاله في بلدان كثيرة صارت قوائم المحرمات فيها اكثر من مسموحاتها واصبح الاعلاميون يضعون لأنفسهم رقابة ذاتية تغنيهم عن التعرض للمساءلة والمنع، ومن الواضح ان القضية متعلقة بثقافة تستوجب وجوب تنزيه الأكبر وان كان فاسدا واعفائه من المحاسبة وان تجاوز واحترام ما يقوله وان اخطأ فهو في نظر المجتمع الأكثر حكمة وقدرة على معرفة تفاصيل الامور وسيكون من الوهم هنا توقع صراع متكافئ بين السلطة والاعلام فالفرق شاسع والتقاليد التي تتوارثها الأجيال المتعاقبة تحتاج الى ثورة فكرية حقيقية لدى الطرفين لأن ما يجري هو طغيان مفهوم السلطة المانحة والقادرة على المنع.

“الراية القطرية”